شارع الرشيد
يعد شارع الرشيد أحد أبرز معالم بغداد التاريخية، وأكثرها حضورا في الذاكرة الجمعية للعراقيين.
فهو ليس مجرد شارع تجاري أو ممر حضري، بل سجل حيّ لتاريخ العاصمة وتحولاتها السياسية والاجتماعية والثقافية على مدى أكثر من قرن.
منذ تأسيسه في مطلع القرن العشرين، ارتبط الشارع بحياة البغداديين اليومية، وبمقاهيهم، وأسواقهم، واحتجاجاتهم، وأفراحهم، وانكساراتهم.
واليوم، وبين محاولات الإحياء وتراكم الإهمال، يقف شارع الرشيد عند مفترق طرق بين الماضي المجيد ومستقبل لم يُحسم بعد.
نشأة شارع الرشيد
تعود فكرة إنشاء الشارع إلى عام 1910 في أواخر العهد العثماني، عندما قرر الوالي خليل باشا شق شارع عريض يربط شمال بغداد بجنوبها، في إطار تحديث البنية العمرانية للمدينة.
كان المشروع في بدايته ذا طابع إداري وعسكري، لكنه سرعان ما تحول إلى محور مدني حيوي، استقطب الأنشطة التجارية والاجتماعية.
بعد ذلك، أُطلق على الشارع اسم “الرشيد” نسبة إلى الخليفة العباسي هارون الرشيد، في إشارة رمزية إلى ربط بغداد الحديثة بإرثها العباسي العريق.
وقد مثل الشارع نقلة نوعية في التخطيط العمراني، حيث تميز باتساعه مقارنة بالأزقة القديمة، وبوجود أروقة مسقوفة وأقواس حجرية، إلى جانب الشناشيل الخشبية التي أضفت عليه طابعا معماريا فريدا.

اقرا ايضا: جامع النوري الكبير .. إعادة الإعمار وعودة المئذنة الحدباء
معمارية شارع الرشيد
تعد مباني شارع الرشيد من أهم الشواهد المعمارية في بغداد الحديثة.
فقد جمعت بين الطراز العثماني المتأخر والتأثيرات الأوروبية، مع مراعاة الخصوصية المناخية والاجتماعية للمدينة.
وكانت الشناشيل، والنوافذ الواسعة، والأقواس، جزءا من هوية المكان، تمنحه جمالا بصريا ووظيفة عملية في آنٍ واحد.
لكن هذا التراث المعماري الثمين تعرض خلال العقود الأخيرة إلى تدهور واضح، نتيجة الإهمال، وغياب الصيانة، والتعديات العشوائية، ما جعل كثيرا من الأبنية مهددة بالاندثار، وفاقدة لوظيفتها الأصلية.
المحطات التاريخية لشارع الرشيد
| المرحلة الزمنية | الحدث البارز | الأهمية |
|---|---|---|
| 1910 | افتتاح شارع الرشيد | بداية التخطيط الحضري الحديث في بغداد |
| العهد الملكي | ازدهار ثقافي وتجاري | تحوّله إلى مركز الحياة البغدادية |
| 1950–1970 | ذروة النشاط الثقافي | انتشار المقاهي والسينمات |
| بعد 2003 | تراجع واضح | تدهور أمني وتجاري |
| 2021–2025 | محاولات إحياء | ترميم جزئي وفعاليات محدودة |
شارع السياسة والاحتجاج
لم يكن شارع الرشيد بعيدا عن السياسة، بل كان في قلبها.
فمنذ العهد الملكي، شكل الشارع مسرحا للمظاهرات والاحتجاجات الوطنية، خصوصا خلال فترات مقاومة النفوذ البريطاني، ثم في العقود اللاحقة التي شهدت صعود الأحزاب والتيارات الفكرية المختلفة.
وفي خمسينيات وستينيات القرن الماضي، تحول الشارع إلى فضاء مفتوح لتداول الأفكار القومية واليسارية والوطنية، حيث كانت المقاهي بمثابة منتديات سياسية غير رسمية.
وهكذا، أصبح الشارع شاهدا على محطات مفصلية في تاريخ العراق الحديث.
شارع الرشيد .. القلب الثقافي لبغداد
ارتبط اسم شارع الرشيد بالحياة الثقافية البغدادية، إذ احتضن أشهر المقاهي الأدبية، مثل مقهى حسن عجمي ومقهى الزهاوي، حيث كان يجتمع الشعراء والكتاب والصحفيون لتبادل الأفكار ومناقشة الشأن العام.
كما ازدهرت فيه دور السينما والمسارح، مثل سينما الرشيد وسينما الزوراء، التي مثلت نافذة على العالم، وقدمت للجمهور أحدث الأفلام العربية والأجنبية.
وكانت هذه الفضاءات الثقافية عنصرا أساسيا في تشكيل الوعي الفني والاجتماعي لعدة أجيال.
الأسواق في شارع الرشيد
إلى جانب دوره الثقافي، كان الشارع مركزا تجاريا رئيسيا، تنتشر فيه محال الأقمشة، والمكتبات، والصاغة، ومحلات الساعات، إضافة إلى البضائع المستوردة.
وكان الشارع مقصدا لسكان بغداد وزوارها، ويمثل واجهة اقتصادية تعكس حالة البلاد من ازدهار أو ركود.
ما بعد 2003 .. التراجع الكبير
بعد عام 2003، تعرض شارع الرشيد إلى تراجع حاد، نتيجة تدهور الأوضاع الأمنية، وتراجع النشاط الاقتصادي، وإغلاق العديد من المحال ودور السينما.
كما أسهمت الإجراءات الأمنية، مثل الحواجز وإغلاق بعض المقاطع، في تقليص حركة الزوار، ما أفقد الشارع حيويته تدريجيا.
ومع مرور الوقت، تحول جزء من الشارع إلى مساحة مهملة، تعاني من التلوث البصري، وتدهور البنية التحتية، وغياب الرؤية الواضحة لإدارته كموقع تراثي.
محاولات إحياء شارع الرشيد
منذ عام 2021، عاد إلى دائرة الاهتمام الرسمي، بعد إعلان أمانة بغداد عن خطط لإعادة تأهيله بوصفه منطقة تراثية.
شملت هذه الخطط إزالة بعض التجاوزات، وصيانة الأرصفة، وتحسين الإضاءة، وإعادة تأهيل واجهات محددة من الأبنية التاريخية.
وفي خطوة لاقت اهتمما إعلاميا، جرى فتح أجزاء من الشارع للمشاة في أوقات محددة، في محاولة لإعادة الطابع الاجتماعي للشارع، وتشجيع العائلات والشباب على زيارته.
ورغم محدودية التجربة، إلا أنها أعادت النقاش حول مستقبل الشارع ودوره المحتمل.
كما شهدت بعض الأبنية أعمال ترميم جزئية، خصوصا تلك المهددة بالانهيار، إلا أن هذه الأعمال بقيت دون مستوى الطموح، بسبب ضعف التمويل وتعقيدات الملكية وتعدد الجهات المسؤولة.
ويرى مختصون أن ما تحقق حتى الآن لا يتجاوز كونه “إجراءات إسعافية” لا ترقى إلى مشروع إنقاذ متكامل.
اقرا ايضا: الدينار العراقي .. من التأسيس إلى التحولات الاقتصادية
عودة خجولة للثقافة والفن
خلال السنوات الأخيرة، شهد شارع الرشيد نشاطا ثقافيا محدودا، تمثل في معارض صور، وفعاليات فنية شبابية، وعروض موسيقية صغيرة، هدفت إلى إعادة تسليط الضوء على المكان.
كما استخدم الشارع كموقع لتصوير أعمال درامية وأفلام وثائقية تناولت تاريخ بغداد وتحولاتها.
هذه المبادرات، رغم تواضعها، أعادت التذكير بالدور الثقافي الذي لعبه الشارع لعقود، وأكدت أن المكان ما يزال قادرا على استعادة جزء من روحه إذا ما توفرت له رعاية حقيقية ورؤية واضحة.
أصوات من شارع الرشيد
يقول أبو علي، صاحب محل قديم منذ أكثر من أربعين عاما:
“شارع الرشيد ليس مجرد مكان للعمل، هو عمر كامل ضاع. هنا عشنا أجمل أيام بغداد، وهنا نأمل أن تعود الحياة يوما ما.”
أما الباحث في شؤون التراث العمراني، فيؤكد أن:
“إنقاذ شارع الرشيد لا يعني ترميم المباني فقط، بل إعادة تعريف وظيفته الثقافية والاقتصادية، وربطه بحياة المدينة المعاصرة دون تشويه هويته.”
ومن جيل الشباب، يصف أحد الزائرين تجربته الأولى قائلا:
“كنت أسمع عن شارع الرشيد من أهلي، وعندما زرته شعرت أنني أمشي داخل كتاب تاريخ مفتوح… مؤلم وجميل في الوقت نفسه.”
أهمية شارع الرشيد في هوية بغداد
| المجال | الدور |
|---|---|
| ثقافي | مركز للمقاهي والسينما |
| سياسي | مسرح للاحتجاجات |
| اجتماعي | فضاء للتلاقي |
| عمراني | نموذج للتخطيط الحديث |
| رمزي | ذاكرة بغداد الجمعية |
شارع الرشيد .. بين الأمس واليوم
في الماضي، كان الشارع يعج بدور السينما والمقاهي والحركة التجارية الكثيفة، بينما يقتصر حضوره اليوم على نشاط محدود ومحاولات إحياء متقطعة.
هذه المقارنة تختصر حجم التراجع، لكنها تفتح الباب أيضا أمام سؤال المستقبل.
هل يستعيد شارع الرشيد مكانته؟
يبقى رمزا لهوية بغداد وذاكرتها، ومقياسا لعلاقة المدينة بماضيها.
فإحياء الشارع لا يقتصر على ترميم الحجر، بل يتطلب مشروعا وطنيا متكاملا، يجمع بين الحفاظ على التراث، والتنمية الثقافية، والمشاركة المجتمعية.
وحدها الإرادة الجادة والرؤية طويلة الأمد قادرتان على إعادة شارع الرشيد إلى مكانته الطبيعية بوصفه قلب بغداد النابض، لا كذكرى جميلة فقط، بل كفضاء حي يستوعب الماضي ويخاطب المستقبل.
يضم شارع الرشيد مجموعة من المعالم التاريخية والثقافية والتجارية، أبرزها المقاهي التراثية مثل مقهى حسن عجمي ومقهى الزهاوي، ودور السينما القديمة، ومحال تجارية عريقة، إضافة إلى مبانٍ تراثية ذات طراز عثماني وبغدادي مميز، ويرتبط بأسواق مهمة مثل سوق السراي وقربه من شارع المتنبي.
لم يفتتح شارع الرشيد بشكل كامل ونهائي حتى الآن، لكن تم فتح أجزاء منه جزئيا خلال السنوات الأخيرة، خاصة للمشاة وفي مناسبات وفعاليات محددة، ضمن محاولات حكومية لإعادة إحيائه وتأهيله تدريجيا.
يقدر عدد الدنكات (الأزقة المتفرعة) من شارع الرشيد بحوالي 15 إلى 20 دنكة، تختلف تسمياتها وأهميتها، وترتبط بالمحلات والأسواق والمناطق السكنية القديمة في قلب بغداد.
يبلغ طول شارع الرشيد تقريبا 3 كيلومترات، ويمتد من منطقة باب المعظم شمالا إلى الباب الشرقي جنوبا، ليكون أحد أهم الشوارع الطولية في بغداد التاريخية.