حوادث المرور في العراق
تشهد الطرق في العراق تصاعدا لافتا في عدد الحوادث المرورية، وسط واقع مروري مأزوم تتداخل فيه هشاشة البنى التحتية مع ضعف الرقابة الرسمية وغياب الوعي لدى السائقين.
هذا المزيج الخطِر جعل التنقل بين المحافظات أشبه برحلة محفوفة بالمجهول، حيث لا يكاد يمر يوم دون تسجيل ضحايا أو مصابين.
وتتصدر ديالى وذي قار قائمة المحافظات الأكثر خطورة، نظرا لكونهما عقدتي اتصال أساسيتين بين بغداد وشمال البلاد وجنوبها.
ومع تزايد حركة الشاحنات والمركبات على طرق لم تعد قادرة على تحمل هذا الضغط، تتكرر الكوارث، فيما تبقى الحلول الجذرية غائبة أو مؤجلة.
ويحذر مختصون من أن استمرار الوضع على حاله ينذر بمعدلات أعلى للحوادث خلال السنوات المقبلة، ما لم تتتخذ إجراءات جدية تشمل إعادة تأهيل الطرق، وتشديد الرقابة، وتفعيل برامج توعية مرورية تستهدف السائقين من مختلف الفئات.
أرقام رسمية تكشف اتساع دائرة الخطر على الطرق العراقية
تظهر الإحصاءات الصادرة عن وزارة التخطيط العراقية صورة مقلقة لحجم حوادث المرور في العراق خلال الأعوام الأخيرة، إذ سجل عام 2022 ما مجموعه 11,523 حادثا أسفرت عن 3,021 وفاة و12,677 إصابة.
ولم يختلف العام التالي كثيرا عن سابقه، حيث ارتفع العدد إلى 11,552 حادثا في 2023، مخلفا 3,019 ضحية وإصابة أكثر من 12,314 شخصا.
أما النصف الأول من عام 2024، فقد حمل مؤشرا إضافيا على عمق الأزمة، بعد تسجيل ما يقارب 7 آلاف حادث مروري تسببت في أكثر من ألف وفاة و4,360 إصابة.
هذه الأرقام لا تعكس مجرد ظاهرة طارئة، بل تشير إلى منحنى تصاعدي مستمر يعجز عن التراجع، في ظل غياب حلول فعالة أو إجراءات تحول دون تكرار المأساة على طرق البلاد.
إحصاءات الحوادث المرورية في العراق
| السنة | عدد الحوادث | عدد الوفيات | عدد الإصابات | ملاحظات |
|---|---|---|---|---|
| 2022 | 11,523 | 3,021 | 12,677 | بداية المؤشرات التصاعدية |
| 2023 | 11,552 | 3,019 | 12,314 | ارتفاع طفيف يؤكد استمرار الأزمة |
| النصف الأول 2024 | 7,000 | 1,000 | 4,360 | النصف الأول فقط يظهر اتساع المشكلة |
| 2025 (ديالى – حتى الآن) | 6,000+ | 320 | 2,700 | بيانات محافظة واحدة تكشف خطورة الوضع |
ديالى .. طرق مزدحمة وبنية منهكة
في محافظة ديالى، تتكشف ملامح أزمة مرورية متصاعدة، إذ يوضح مدير إعلام صحة المحافظة، فارس العزاوي، أن عدد الحوادث المسجلة منذ بداية عام 2025 تجاوز 6 آلاف حادث، نتج عنها 2,700 إصابة و320 وفاة، وهي حصيلة تعكس حجم الضغط الهائل على طرق المحافظة وعدم جاهزيتها لاستيعاب حركة المرور المتزايدة.
ويشير العزاوي إلى أن الطريق الدولي الرابط بين بغداد وإقليم كردستان عبر الخالص والعظيم هو الأكثر تسجيلا للحوادث، مؤكدا أن الطبيعة الحيوية لهذا الطريق، وازدحامه بالشاحنات والمركبات الصغيرة، تجعله نقطة ساخنة للحوادث على مدار الساعة. ويضيف قائلا:
“المستشفيات تستقبل يوميا ضحايا من عدة حوادث، وغالبا ما تكون الإصابات خطرة نتيجة السرعة ورداءة الطريق”.
ويؤكد العزاوي أن الفترة المسائية تشهد النسبة الأكبر من حوادث المرور في العراق، نتيجة عوامل متداخلة أبرزها استخدام الهواتف أثناء القيادة، وانتشار الدراجات والمركبات التي يقودها أطفال دون السن القانونية، إضافة إلى سوء الإنارة وتهالك طبقات الإسفلت في العديد من المقاطع الحيوية.
وتشير مصادر في مديرية المرور إلى أن غياب الدوريات الكافية وقلة الردع القانوني يسهمان بشكل كبير في اتساع المشكلة، فيما يرى مواطنون أن التأخر في مشاريع الصيانة والتأهيل يدفع السائقين إلى استخدام طرق بديلة غير مجهّزة، فتزداد معها احتمالات وقوع الحوادث.
ذي قار .. مستشفيات تحت ضغط متزايد
في محافظة ذي قار، يتفاقم العبء على المؤسسات الصحية مع تزايد الإصابات الناجمة عن الحوادث المرورية.
إذ أفاد مدير مستشفى الناصرية التعليمي، مصطفى جلود، بأن المستشفى استقبل خلال شهر مارس/آذار أكثر من 450 إصابة مرتبطة بحوادث السير، وهو رقم يعكس الضغط المتواصل على الكوادر الطبية والتمريضية التي تعمل بطاقتها القصوى.
ويضيف جلود أن أيام عيد الفطر شهدت وحدها أكثر من 200 إصابة مرورية نتيجة الازدحام الشديد وارتفاع حركة المركبات على الطرق السريعة والمنافذ الرئيسية للمحافظة.
ويؤكد أن العديد من الحالات كانت حرجة وتستدعي تدخلا جراحيا فوريا أو تحويلها إلى مراكز طبية أخرى بسبب محدودية الإمكانات المتوفرة، ما يبرز الحاجة الملحة لتعزيز قدرات الطوارئ في المستشفيات المحلية.
الطرق عائق يومي ومصدر تهديد مستمر
من جانبهم، يعزو سائقو المركبات الثقيلة والخفيفة تزايد الحوادث إلى تردي الطرق وغياب الإشارات التنظيمية، وهو ما يجعل القيادة في بعض المناطق أقرب إلى مغامرة يومية محفوفة بالمخاطر.
السائق محمود الجبوري، الذي يعمل على خط الأنبار–إقليم كردستان، يقول إن طريق بغداد–ديالى “تحول إلى ما يشبه مصيدة الموت”، بسبب كثرة الحفر وغياب الصيانة الدورية، مشيرا إلى أن:
“الحوادث تقع غالبا أثناء محاولة تفادي الحفر أو بسبب المفاجآت على الطريق، وهناك سائقون فقدوا حياتهم نتيجة تلك الظروف”.
أما السائق حسين التميمي، الذي يقود شاحنة بين البصرة ووسط العراق، فيؤكد أن الطرق الممتدة من الجنوب نحو بغداد تشهد حوادث شبه يومية، خصوصا على طريق كربلاء–بغداد، بسبب الازدحام وغياب الإشارات المرورية ونقص تنظيم حركة السير، مضيفا أن معظم السائقين باتوا يسافرون بحذر مضاعف خشية التعرض لحادث مفاجئ.
وتجمع شهادات السائقين على أن إصلاح الطرق ووضع إشارات وتنظيم السرعات أصبح ضرورة ملحة للحد من الخسائر البشرية التي تتكرر يوماً بعد آخر.
أسباب الحوادث… مزيج خطِر من مشكلات بنيوية وسلوكيات متهورة
يرى مختصون في شؤون المرور أن ارتفاع معدلات الحوادث في العراق ليس نتاج عامل واحد، بل حصيلة مجموعة من الأسباب المتراكمة التي تتفاعل فيما بينها لتشكل بيئة مرورية غير آمنة، ومن أبرز هذه الأسباب:
- تقادم الطرق وغياب مشاريع التأهيل والصيانة الدورية
- نقص العلامات التحذيرية والإرشادية على الطرق الحيوية
- سوء الإنارة في الطرق الخارجية والمناطق الريفية
- السرعة العالية وعدم الالتزام بمحددات السرعة
- الاجتياز الخاطئ خصوصاً على الطرق ذات الاتجاه الواحد
- استخدام الهاتف أثناء القيادة بشكل متزايد
- قيادة الأطفال والمراهقين للمركبات والدراجات دون رقابة
- غياب الفحص الفني الدوري للمركبات
- عدم الالتزام بحزام الأمان رغم خطورته البالغة
هذه العوامل، وفق خبراء المرور، تتقاطع مع الإهمال الحكومي في تطوير البنى التحتية والسلوكيات الفردية غير المنضبطة، ما يضاعف حجم المشكلة ويزيد من احتمالات وقوع الحوادث المميتة.
أسباب ارتفاع الحوادث المرورية في العراق
| الفئة | الأسباب التفصيلية | التأثير على الحوادث |
|---|---|---|
| البنية التحتية | تقادم الطرق – الحفر – رداءة الإسفلت – ضعف الإنارة | زيادة احتمالات فقدان السيطرة على المركبات |
| السلوك البشري | السرعة – استخدام الهاتف – الاجتياز الخاطئ – قيادة الأطفال | حوادث مباشرة تسبب إصابات قاتلة |
| الرقابة القانونية | ضعف الدوريات – قلة الردع – غياب تنظيم حركة السير | انتشار السلوكيات الخطرة دون محاسبة |
| العوامل الميكانيكية | غياب الفحص الفني الدوري – المركبات القديمة | أعطال مفاجئة تؤدي إلى حوادث مميتة |
غياب الردع القانوني .. رقابة ضعيفة ونظام لا يواكب حجم الخطر
يؤكد رئيس المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان، فاضل الغراوي، أن تصاعد الحوادث يعود بالدرجة الأولى إلى “غياب إجراءات السلامة الأساسية على الطرق وضعف الالتزام بالقوانين المرورية”.
ويشير الغراوي إلى أن الحد من الظاهرة يتطلب حزمة من الإجراءات الحاسمة، أبرزها:
- نصب كاميرات مراقبة على الطرق الخارجية والمداخل الرئيسة
- فرض غرامات مرتفعة على السرعة الزائدة والمخالفات الخطرة
- إنشاء طرق سريعة حديثة وفق المواصفات العالمية
- تشديد الرقابة على قيادة الأحداث للمركبات والدراجات
- تطوير نظام الفحص الفني الدوري للمركبات لضمان السلامة
كما ينتقد الغراوي عدم التزام عدد كبير من السائقين بارتداء حزام الأمان أو التقيد بالإشارات المرورية، مؤكدا أن هذه السلوكيات ترفع من نسب الوفيات وتفاقم الإصابات الخطرة عند وقوع الحوادث.
أزمة مرورية مستمرة تحتاج إلى تدخل شامل
تكشف المؤشرات الميدانية والإحصاءات الرسمية أن الحوادث المرورية في العراق تحولت إلى أزمة وطنية تتجاوز أخطاء السائقين لتصل إلى صميم القصور في التخطيط والبنية التحتية وتطبيق القانون.
ومع استمرار نزيف الأرواح يومياً على طرق البلاد، تبدو الحاجة ملحّة لوضع استراتيجية وطنية متكاملة تشمل إعادة تأهيل الطرق، وتطوير الرقابة المرورية، وتكثيف حملات التوعية.
ورغم التحذيرات الدائمة من الجهات الصحية والمرورية، ما تزال الإجراءات المتخذة متواضعة أمام حجم الكارثة، فيما تستمر الطرق العراقية في تسجيل المزيد من الضحايا دون حلول جذرية أو خطط طويلة الأمد.
تعود الأسباب إلى مزيج من عوامل بنيوية وسلوكية، أبرزها تهالك الطرق، ضعف الصيانة، سوء الإنارة، إضافة إلى السلوكيات الخطِرة مثل السرعة، استخدام الهاتف أثناء القيادة، والاجتياز الخاطئ، إلى جانب ضعف الرقابة القانونية وعدم وجود ردع صارم.
تعد ديالى و ذي قار من أكثر المحافظات خطورة، نظرا لموقعيهما الحيويين وكثافة حركة المرور على الطرق التي تربطهما بالمحافظات الأخرى، إضافة إلى سوء الطرق وازدحام الشاحنات.
سوء الطرق والحفر ورداءة الإسفلت وضعف الإنارة تجعل القيادة محفوفة بالمخاطر، وتزيد من احتمالات فقدان السيطرة على المركبات، خصوصا أثناء الليل أو في الظروف الجوية السيئة.