تلوث الهواء في بغداد
منذ بداية العام الجاري، تحول الحديث عن جودة الهواء في بغداد من نقاش موسمي إلى قضية يومية ضاغطة، بعد أن سجلت أجهزة الرصد المحلية والدولية تراجعا حادا وغير مسبوق في مستويات نقاء الهواء.
وباتت العاصمة العراقية، التي يسكنها أكثر من ثمانية ملايين نسمة، واحدة من أكثر المدن تلوثا في الشرق الأوسط وفقا لمؤشرات جودة الهواء العالمية.
أرقام تكشف حجم التدهور
شهدت العاصمة خلال الأيام الأخيرة موجة تلوث استثنائية بحسب البيانات الصادرة عن مرصد العراق الأخضر، الذي أكد أن الظروف الجوية الساكنة وتشكل الغطاء السحابي الكثيف أسهما في زيادة تركز الملوثات قرب سطح الأرض.
وتشير القياسات الحديثة إلى ارتفاع نسب غاز ثاني أوكسيد النيتروجين NO2 وثاني أوكسيد الكبريت SO2، وهما من أكثر الملوثات ارتباطا بتدهور وظائف الجهاز التنفسي وارتفاع معدلات الأمراض المزمنة.
كما سجلت قفزة حادة في مؤشر جودة الهواء وصلت إلى 380 نقطة، وهو مستوى يعكس وضعا بيئيا عالي الخطورة تهيمن عليه الجسيمات الدقيقة PM2.5.
وتؤكد البيانات أن متوسط تركيز هذه الجسيمات خلال عام 2024 بلغ 40.5 ميكروغرام لكل متر مكعب، وهو ما يتجاوز الحد الإرشادي العالمي بنحو ثمانية أضعاف، ما يعزز المخاوف من استمرار تفاقم التلوث وتوسعه نحو المحافظات القريبة في ظل ضعف حركة الرياح.
اقرا أيضا: أزمة الكهرباء في العراق .. الأسباب والتحديات والحلول المقترحة
مؤشرات التلوث في بغداد (2024–2025)
| المؤشر | القيمة المسجّلة | المعيار العالمي | نسبة التجاوز |
|---|---|---|---|
| متوسط PM2.5 السنوي | 40.5 µg/m³ | 5 µg/m³ | 8 أضعاف |
| أعلى مؤشر AQI مؤخرا | 380 نقطة | أقل من 50 صحي | خطر شديد |
| تركيز NO2 | مرتفع جدًا | منخفض | 3–4 أضعاف الطبيعي |
| تركيز SO2 | مرتفع | منخفض | 2–3 أضعاف |
مصادر التلوث .. خليط متراكم من الإهمال والضغط العمراني
يقول المختصون إن التدهور المتواصل لجودة الهواء في بغداد ليس نتاج حادث أو ظرف طارئ، بل هو نتيجة تراكم طويل الأمد ناتج عن عدة مصادر رئيسية:
الانبعاثات المرورية
تتكدس في شوارع بغداد أكثر من 2.5 مليون مركبة، نسبة كبيرة منها قديمة ولا تخضع لفحص فني دوري.
هذه المركبات تبعث كميات ضخمة من غازات العادم مثل ثاني أكسيد النيتروجين وأول أكسيد الكربون، إضافة إلى الجسيمات الدقيقة التي تبقى عالقة في الجو لساعات طويلة.
المصانع والورش غير المنضبطة
توجد عشرات الورش الصناعية داخل الأحياء السكنية أو بالقرب منها، تعمل دون أنظمة فلترة فعالة، وتساهم في إطلاق دخان كثيف ومواد كيميائية مضرة تتطاير لمسافات واسعة.
الحرق العشوائي للنفايات
ما زالت عدة مناطق في أطراف بغداد تعتمد على الحرق كوسيلة للتخلص من النفايات المنزلية، ممّا يضيف إلى الجو عناصر سامة تشمل الديوكسينات والمعادن الثقيلة، وهي من أخطر الملوثات المعروفة طبياً.
الغبار الطبيعي وغياب المساحات الخضراء
موقع بغداد الجغرافي القريب من مناطق صحراوية يجعلها عرضة للعواصف الترابية. ومع التراجع الكبير في الغطاء النباتي، أصبحت المدينة شبه مكشوفة أمام حركة الرياح المحملة بالأتربة الدقيقة.
مواقع البناء والإنشاء
ازداد نشاط البناء بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة دون تطبيق معايير الحد من الغبار، ما يرفع نسبة الجسيمات العالقة في الهواء.
أزمة تتسلل إلى الرضاعة والمدارس والمستشفيات
تؤكد تقارير طبية أن التعرض المستمر للجسيمات الدقيقة PM2.5 يعتبر المسبب الأول لعدد من أمراض الجهاز التنفسي والقلب في العراق، وفي بغداد تشير الإحصاءات إلى:
- ارتفاع بنسبة تتراوح بين 20% – 30% في أمراض الربو بين الأطفال خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
- زيادة في حالات ضيق التنفس وتفاقم مشاكل القلب لدى كبار السن.
- تكرار الزيارات الطبية للحالات الطارئة المرتبطة بالجهاز التنفسي في أيام ارتفاع مؤشر AQI.
كما أن النساء الحوامل والرضع يعدون الفئة الأكثر عرضة؛ إذ ترتبط الملوثات الدقيقة بزيادة خطر نقص وزن المواليد ومضاعفات الحمل.
وفي ظل نقص أجهزة تنقية الهواء داخل المدارس والمستشفيات، تتحول هذه المؤسسات التي تعد ملاذا آما إلى أماكن غير محمية من التلوث، ممّا يزيد المخاطر الصحية لآلاف الطلبة والمرضى.
التأثير الاجتماعي والاقتصادي
لا يقتصر التلوث على آثاره الصحية، بل يمتد ليمس مباشرة الإنتاجية ونمط الحياة اليومية.
وتشير تقديرات اقتصادية متحفظة إلى أن تراجع جودة الهواء في بغداد يكلف الاقتصاد المحلي مئات ملايين الدولارات سنويا نتيجة:
- انخفاض ساعات العمل الفعلية بسبب المرض.
- تراجع جودة الحياة وما يصاحبه من آثار نفسية واجتماعية.
- زيادة الإنفاق الصحي الحكومي والخاص.
- ضعف الجذب الاستثماري للمدينة بسبب تدهور البيئة الحضرية.
كما يعاني البغداديون من تراجع أنشطة الهواء الطلق، مثل المتنزهات والأسواق، التي تتعطل خلال أيام التلوث الشديد، ما يؤثر على قطاعات اقتصادية صغيرة تعتمد على الحركة اليومية.
تصنيف عالمي مقلق
على الصعيد الدولي، أدرج مؤشر جودة الهواء العالمي AQI مدينة بغداد ضمن المدن الست الأكثر تلوثا في العالم مع نهاية تشرين الثاني 2025.
ويأتي هذا التصنيف في وقت رُصدت فيه انبعاثات كثيفة وانخفاض في مستوى الرؤية في عدة مناطق حضرية، ولا سيما في محيط معسكر الرشيد الذي شهد عمليات حرق غير نظامية دفعت السلطات إلى اتخاذ إجراءات إغلاق للحد من آثارها.
وتشير التحليلات البيئية إلى أن الملوثات المسيطرة على المشهد تشمل الجسيمات الدقيقة PM2.5، إلى جانب NO2 وSO2، وهي عناصر قادرة على رفع المؤشر إلى مستويات حرجة خلال فترات قصيرة.
ويعكس هذا التصنيف الدولي ازدياد الضغوط البيئية على العاصمة ويؤكد أن الأزمة لم تعد محلية، بل باتت جزءا من مشهد تلوث عالمي يتطلب استجابة أكثر صرامة وتنظيما.
مصادر التلوث الرئيسية في بغداد
| المصدر | مستوى التأثير | أمثلة | ملاحظات |
|---|---|---|---|
| الانبعاثات المرورية | عالٍ جدا | 2.5 مليون مركبة | أغلبها قديم وبدون فحص دوري |
| المصانع والورش | عالٍ | ورش حدادة، معامل صغيرة | داخل الأحياء السكنية |
| حرق النفايات | عالٍ | أطراف بغداد | يصدر ديوكسينات ومعادن ثقيلة |
| الغبار والعواصف | متوسط – عالٍ | غبار طبيعي وصحراوي | يزداد مع قلة التشجير |
| مواقع البناء | متوسط | مشاريع عمرانية جديدة | بدون تدابير للحد من الغبار |
أين تقف بغداد اليوم؟
عند مقارنة بغداد بمدن ذات خصائص سكانية ومناخية مشابهة، تظهر الفوارق بوضوح:
مدن مثل عمان وأنقرة وطهران، رغم مشكلات التلوث، ما تزال تمتلك منظومات مراقبة دقيقة، وخططا دورية للتعامل مع الحالات الطارئة.
أما بغداد، فتعتمد على منصات دولية لرصد جودة الهواء أكثر ممّا تعتمد على نظام وطني شامل، ما يجعل البيانات غير مكتملة وغير قابلة للتنبؤ العلمي.
عدد محطات الرصد في المدينة أقل بكثير من المتوسط العالمي في المدن المماثلة.
هذه الفجوة في المعلومات تشكل بحد ذاتها أزمة، لأنها تعيق إجراء الدراسات الجادة ووضع السياسات المناسبة.
استجابة الجهات الرسمية .. جهود موجودة لكنها متفرقة
تؤكد الجهات الحكومية أن هناك مساعٍ لتحسين جودة الهواء، وتشمل:
- حملات رفع النفايات وتقليل الحرق العشوائي؛
- مشاريع توسعة التشجير وزراعة الأرصفة والمتنزهات؛
- ضبط مخالفات المصانع وورش الحدادة داخل الأحياء؛
- تحديث قوانين حماية البيئة.
غير أن هذه الإجراءات وفق خبراء تظل غير كافية لأنها لا تنفذ ضمن إطار استراتيجي موحد، كما أن غياب التمويل الكافي والرقابة الدائمة يقلل من أثرها على الأرض.
في الختام .. أزمة تختبر قدرة بغداد على حماية سكانها
أزمة جودة الهواء في بغداد ليست مجرد حالة مناخية مؤقتة، ولا مشكلة صحية معزولة.
إنها اختبار حقيقي لقدرة العاصمة على حماية سكانها، وإعادة تنظيم بنائها البيئي والحضري.
فالمؤشرات الحالية تكشف بوضوح أننا أمام تدهور بيئي متسارع، قد يتحول خلال سنوات قليلة إلى أزمة إنسانية إذا لم يتم التعامل معه بجدية واستمرارية.
الهواء الذي كان يوما جزءا من طمأنينة المدينة، أصبح اليوم أحد أسباب قلقها الأكبر.
وبين أرقام المؤشر، وتوصيات الخبراء، وصوت المواطنيـن الذين يخرجون صباحا ليواجهوا ضبابا خانقا، تبدو بغداد وكأنها تقف على مفترق طرق واضح: إما أن تنقذ بيئتها اليوم… أو تدفع ثمن التأجيل غدا.
ترتبط أسباب تلوث الهواء في بغداد بازدحام السيارات القديمة التي تعمل بوقود منخفض الجودة، وانتشار المولدات الأهلية التي تعمل بلا توقف تقريبا. وتزيد العواصف الترابية المتكررة وحرق النفايات والانبعاثات الصناعية من تدهور الوضع، ما يجعل الهواء محمّلًا بالملوثات معظم أيام السنة.
جودة الهواء في بغداد غالبًا ما تكون غير مستقرة وتميل إلى الفئة غير الصحية، إذ ترتفع مستويات الجسيمات الدقيقة إلى حدود تفوق المعدلات العالمية، ويصل مؤشر جودة الهواء في بعض الأيام إلى مستويات خطرة على الفئات الحساسة مثل الأطفال وكبار السن ومرضى الجهاز التنفسي.
أكبر مصدر للتلوث في بغداد هو المولدات الأهلية التي تطلق كميات كبيرة من الدخان والغازات السامة بسبب غياب الرقابة والمعايير البيئية، يليها الازدحام المروري للمركبات القديمة والانبعاثات الصناعية التي تزيد من تدهور نوعية الهواء.