الجيش العراقي
يمثل الجيش العراقي إحدى الدعائم السيادية الأبرز للدولة العراقية، ليس بوصفه قوة عسكرية فحسب، بل باعتباره سجلا حيا للتحولات السياسية والأمنية والاجتماعية التي شهدها العراق على مدى أكثر من قرن.
فمنذ تأسيسه في مطلع القرن العشرين، ارتبط مسار هذه المؤسسة ارتباطا وثيقا بمسار الدولة نفسها، صعودا وهبوطا، استقرارا واضطرابا.
ولم يكن الجيش العراقي يوما مؤسسة عسكرية تقليدية محصورة في حدود الوظيفة القتالية، بل كان فاعلا محوريا في بناء الدولة الحديثة، وحارسا لسيادتها وحدودها، ولاعبا أساسيا في معادلات الداخل والخارج.
عند تقاطع الهوية الوطنية مع تحديات الأمن والاستقرار، وعند تماس التوازنات الإقليمية مع القرار السيادي، ظل الجيش حاضرا بوصفه عنوانا جامعا لفكرة الدولة، ومؤشرا حساسا على قوة النظام السياسي أو هشاشته.
تأسيس الجيش العراقي
تعود جذور تأسيس الجيش العراقي إلى السادس من كانون الثاني/يناير عام 1921، وهو تاريخ مفصلي تحول لاحقا إلى عيد وطني يرمز لولادة إحدى أهم مؤسسات الدولة العراقية.
جاء هذا التأسيس في سياق تاريخي معقد، كان فيه العراق ينتقل من إرث الحكم العثماني إلى محاولة بناء دولة حديثة تحت مظلة الانتداب البريطاني، وسط تحديات سياسية وأمنية وبنيوية جسيمة.
في تلك المرحلة، لم يكن إنشاء الجيش خيارا ثانويا، بل ضرورة سيادية ملحة لفرض النظام العام، وبسط سلطة الدولة الناشئة، وتأمين الحدود، ووضع حجر الأساس لمؤسسة وطنية قادرة على حماية الكيان السياسي الوليد.
وقد شكل الجيش منذ لحظاته الأولى أحد أبرز معالم مشروع الدولة الحديثة، وأداة مركزية لترسيخ مفهوم السلطة الوطنية في مجتمع متنوع ومعقد.
تكونت النواة الأولى للجيش من ضباط عراقيين سبق لهم الخدمة في صفوف الجيش العثماني، وهو ما منح المؤسسة العسكرية الناشئة خبرة تنظيمية ومهنية مبكرة، وأسهم في بناء هياكلها القيادية والانضباطية على أسس عسكرية راسخة.
وسرعان ما اكتسب الجيش مكانة رمزية في الوعي العام، باعتباره عنوانا للهيبة والانضباط، ومصدر فخر اجتماعي واسع، حيث ارتبطت الخدمة العسكرية بقيم الشرف، والولاء، والانتماء للوطن.
ومع اتساع دوره وتنامي حضوره، لم يعد الجيش مجرد قوة أمنية ناشئة، بل تحول إلى أحد الأعمدة الرئيسية لبناء الدولة العراقية، ورافعة أساسية لصياغة الهوية الوطنية في مرحلة كانت فيها فكرة “الدولة” نفسها لا تزال قيد التشكل.

اقرا ايضا: المحتوى الهابط في العراق .. بين الرقابة الحكومية وحرية التعبير
الجيش العراقي والسياسة
منذ سنواته الأولى، دخل الجيش العراقي في علاقة متشابكة ومعقدة مع الحياة السياسية، علاقة تجاوزت حدود الدور العسكري التقليدي لتصل إلى قلب معادلة الحكم والسلطة.
فابتداء من أربعينيات القرن الماضي، شهد العراق سلسلة من الانقلابات العسكرية، كان الجيش فيها فاعلا مباشرا، وأحيانا حاسما، في تغيير الأنظمة السياسية وإعادة رسم موازين القوى داخل الدولة.
هذه المرحلة كرست صورة الجيش بوصفه قوة قادرة على الحسم السريع، ورافعة للتغيير السياسي، لكنها في المقابل حملته أعباءً تتجاوز وظيفته المهنية الأساسية.
ومع تزايد تدخل المؤسسة العسكرية في الشأن السياسي، بدأت ملامح التداخل بين السلطة والسلاح تتعمق، ما انعكس تدريجيا على بنية الجيش وعقيدته المهنية، وأضعف الفصل الضروري بين الدور العسكري والدور السياسي.
وفي مراحل لاحقة، ولا سيما خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، شهد الجيش العراقي توسعا غير مسبوق من حيث العدد والتسليح، ليغدو واحدا من أكبر الجيوش في المنطقة.
غير أن هذا التعاظم لم يكن منفصلا عن السياق السياسي العام، إذ ارتبط بحروب إقليمية وصراعات كبرى استنزفت قدراته البشرية والعسكرية، وخلفت آثارا عميقة لم تقتصر على المؤسسة العسكرية فحسب، بل امتدت لتطال بنية المجتمع العراقي واقتصاده ونسيجه الاجتماعي.
وبين الطموح السياسي ومتطلبات الأمن الوطني، وجد الجيش نفسه في قلب معادلة شائكة، دفعت ثمنها الدولة العراقية لاحقا، وطرحت تساؤلات عميقة حول حدود الدور العسكري، وإمكانية بناء مؤسسة مهنية مستقلة عن تقلبات السلطة والصراع السياسي.
الحروب الكبرى التي خاضها الجيش العراقي
خاض الجيش العراقي سلسلة من الحروب المفصلية التي تركت آثارا عميقة وممتدة على بنيته التنظيمية وقدراته القتالية، وأعادت تشكيل دوره داخل الدولة والمجتمع.
وتعد الحرب العراقية–الإيرانية (1980–1988) أطول وأقسى اختبار واجهته المؤسسة العسكرية العراقية، إذ تحول الجيش خلالها إلى قوة ضخمة تعتمد على التجنيد الواسع والتعبئة الشاملة، في صراع استنزافي غير مسبوق.
ورغم ما راكمه الجيش خلال تلك الحرب من خبرات ميدانية وقتالية، فإن الكلفة البشرية والاقتصادية كانت فادحة.
فقد استنزفت الحرب طاقات الدولة، وأثرت بعمق على النسيج الاجتماعي، فيما تكبدت المؤسسة العسكرية خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات، انعكست لاحقا على جاهزيتها وتوازنها الداخلي.
ولم تكد البلاد تلتقط أنفاسها حتى جاءت حرب الخليج عام 1991 لتشكل ضربة قاصمة لبنية الجيش.
فقد رافقت هذه الحرب عمليات تدمير واسعة للبنية التحتية العسكرية، تلتها عقوبات دولية صارمة وطويلة الأمد، أدخلت العراق في عزلة خانقة.
وخلال عقد التسعينيات، واجه الجيش واقعا بالغ الصعوبة، تمثل في شح الموارد، وتوقف برامج التحديث والتسليح، وتراجع التدريب والجاهزية القتالية بشكل ملحوظ.
هذا التآكل التدريجي في القدرات لم يكن مجرد تراجع عسكري تقني، بل مهد لتحولات بنيوية عميقة في طبيعة المؤسسة العسكرية ووظيفتها، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التحديات المصيرية التي ستواجه الجيش والدولة العراقية في السنوات اللاحقة.

تحولات دور الجيش العراقي
| المرحلة | طبيعة الدور | السمات البارزة |
|---|---|---|
| التأسيس | بناء الدولة | الانضباط، الرمزية الوطنية |
| ما بعد التأسيس | لاعب سياسي | الانقلابات، الحسم العسكري |
| الحروب الإقليمية | جيش تعبوي | التجنيد الواسع، الحروب طويلة الأمد |
| التسعينيات | جيش مُنهك | شح الموارد، ضعف الجاهزية |
| ما بعد 2003 | إعادة بناء | ضعف الخبرة، تعدد مصادر التدريب |
| مرحلة مكافحة الإرهاب | جيش ميداني | التضحيات، استعادة الثقة الشعبية |
ما بعد 2003 .. الانهيار وإعادة البناء
شكل عام 2003 أخطر منعطف في تاريخ الجيش العراقي، ونقطة انكسار غير مسبوقة في مسار الدولة ومؤسساتها.
فقد أدى قرار حل الجيش إلى تفكيك منظومة عسكرية متجذرة، وخلق فراغ أمني واسع، وانهيار سريع لآليات الضبط والسيطرة، ما فتح الباب أمام فوضى أمنية وموجات عنف طالت مختلف أنحاء البلاد.
ولم يكن هذا القرار إجراءً إداريا عابرا، بل مثل زلزالا سياسيا وأمنيا أصاب بنية الدولة في الصميم، وترك آثارا عميقة على أمن المجتمع واستقراره.
في السنوات اللاحقة، انطلقت عملية إعادة بناء الجيش من الصفر تقريبا، في مهمة شديدة التعقيد جرت في بيئة مضطربة ومفتوحة على التدخلات والتجاذبات.
واجهت المؤسسة العسكرية الوليدة تحديات جسيمة، أبرزها ضعف الخبرة التراكمية، وتداخل السياسة بالأمن، وتعدد مصادر التدريب والعقيدة والتسليح، إلى جانب هشاشة البنية المؤسسية في دولة ما زالت تبحث عن توازنها الداخلي.
ورغم الجهود المحلية والدولية المبذولة، عانى الجيش في بداياته من صعوبة فرض هيبته واستعادة ثقة الشارع، خصوصًا مع تصاعد التهديدات الإرهابية والانقسامات الطائفية.
اختبار الإرهاب واستعادة الثقة
بلغ هذا المسار ذروته الخطرة مع تمدد التنظيمات الإرهابية في منتصف العقد الماضي، حين سقطت مدن عراقية كبرى بيد جماعات مسلحة، في مشهد شكل صدمة وطنية عميقة، وأعاد طرح السؤال الجوهري حول قدرة الجيش على أداء وظيفته الأساسية في حماية البلاد.
تلك اللحظة الحرجة كشفت حجم التحديات البنيوية التي واجهتها المؤسسة العسكرية، لكنها في الوقت ذاته مثلت نقطة انعطاف.
ففي السنوات التالية، دخل الجيش العراقي معارك مصيرية لاستعادة الأراضي وفرض سلطة الدولة، منخرطا في قتال شرس ومعقد، بدعم من تشكيلات أمنية أخرى، وإسناد دولي، وتنسيق ميداني واسع.
ومع تراكم الخبرة، وتحسن التنظيم والتسليح، بدأ الجيش يستعيد تدريجيا ثقته بنفسه وبجمهوره.
وبرزت خلال هذه المرحلة تضحيات كبيرة قدمها الجنود والضباط، وارتفعت معنويات المقاتلين في ساحات القتال، ليعود الجيش مرة أخرى إلى الواجهة بوصفه رمزا للصمود الوطني، وعنوانا لمواجهة خطر وجودي هدد كيان الدولة والمجتمع على حد سواء.

الجيش العراقي والشعب
يحظى الجيش العراقي بمكانة راسخة في الوجدان الشعبي، على الرغم من كل ما مر به من تحولات قاسية وتقلبات تاريخية.
فالعائلة العراقية، بمختلف انتماءاتها، ما تزال تنظر إلى أبنائها في المؤسسة العسكرية بوصفهم امتدادا لإرث طويل من التضحية والفداء، وجزءا أصيلًا من سردية الدولة والهوية الوطنية.
وفي كل مناسبة وطنية أو لحظة مفصلية، يعود حضور الجيش في الوعي العام ليؤكد وحدة المصير بين المؤسسة العسكرية والمجتمع، ويجدد الشعور بأن أمن الدولة لا ينفصل عن أمن مواطنيها.
هذا الارتباط الوجداني لا يقوم على الرمزية وحدها، بل يتغذى من تاريخ طويل تشارك فيه الجيش والمجتمع أثمان الحروب والأزمات والانتصارات.
فالجندي العراقي لم يكن يوما معزولا عن محيطه الاجتماعي، بل ظل ابنا للعائلة والمدينة والريف، يحمل همومها وتطلعاتها إلى ساحات الخدمة والقتال.
في المقابل، يشهد هذا الرابط تطورا ملحوظا مع تصاعد مطالب مجتمعية متزايدة، تتعلق بضرورة تعزيز الشفافية، واحترام حقوق الإنسان، والالتزام الصارم بالقانون، وترسيخ مبدأ خضوع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية والدستور.
وتعد هذه المطالب جزءا من نضج العلاقة بين الجيش والمجتمع، حيث لم تعد الثقة تبنى على التضحيات وحدها، بل أيضا على الأداء المهني والمسؤول.
وتشكل هذه العلاقة التفاعلية، بما تحمله من دعم ومساءلة في آن واحد، عامل ضغط إيجابي يدفع الجيش نحو مزيد من الإصلاح المؤسسي والانفتاح على المجتمع، بما يعزز مكانته بوصفه مؤسسة وطنية جامعة، وقوة تحمي الدولة دون أن تنفصل عن قيمها ومواطنيها.
الجيش العراقي في تساؤلات
تكمن أهمية الجيش العراقي في كونه أحد الأعمدة الأساسية لبناء الدولة الحديثة منذ تأسيسها عام 1921، إذ لم يقتصر دوره على حماية الحدود وفرض الأمن، بل أسهم في ترسيخ مفهوم السيادة وبناء مؤسسات الدولة في مرحلة كان فيها الكيان السياسي العراقي لا يزال في طور التشكل.
أدت الحروب، ولا سيما الحرب العراقية–الإيرانية وحرب الخليج، إلى استنزاف واسع للموارد البشرية والاقتصادية، وألحقت أضرارًا كبيرة بالبنية العسكرية، ما انعكس على الجاهزية والتحديث، وأثر بعمق على المجتمع والدولة معا.
مثّل حل الجيش نقطة انكسار تاريخية، إذ تسبب في فراغ أمني واسع وانهيار منظومة الضبط العسكري، وأسهم في تصاعد العنف وعدم الاستقرار، وكان له تأثير مباشر على أمن المجتمع وبنية الدولة العراقية.
انطلقت عملية إعادة البناء في ظروف بالغة التعقيد، وسط ضعف في الخبرة وتداخل بين الأمن والسياسة، وتعدد في مصادر التدريب والتسليح، ما جعل فرض الهيبة وبناء الثقة تحديا طويل الأمد تطلب سنوات من المعالجة والتطوير.