توقف الغاز الإيراني .. حين تتحول الكهرباء إلى اختبار سيادي للعراق

أزمة الغاز الإيراني في العراق

أزمة الغاز الإيراني في العراق

لم يكن انقطاع الغاز الإيراني عن العراق مجرد خلل تقني طارئ، بل لحظة كاشفة لواحد من أكثر ملفات الدولة هشاشة وتعقيدا.

ففي توقيت بالغ الحساسية، ومع ذروة الطلب الشتوي على الكهرباء، تحول توقف الإمدادات إلى اختبار مباشر لقدرة المنظومة الطاقوية العراقية على الصمود، وكشف حدود الخيارات المتاحة أمام بغداد في ظل اعتماد طويل الأمد على مصدر خارجي يتحكم بجزء جوهري من استقرار الشبكة الكهربائية.

إعلان وزارة الكهرباء العراقية التوقف الكامل لواردات الغاز من إيران وضع الأزمة في سياقها الحقيقي، بوصفها نتاج تداخل معقد بين العوامل المناخية والاقتصادية والسياسية، وليس مجرد حدث خدمي معزول.

فالقضية، في جوهرها، تتجاوز ساعات التجهيز والانقطاعات المؤقتة، لتطرح سؤالا أعمق حول أمن الطاقة بوصفه أحد عناصر السيادة، وحول كلفة استمرار العراق داخل معادلة إقليمية غير متوازنة يدفع ثمنها بشكل متكرر، من اقتصاده واستقراره الاجتماعي معا.

أرقام تكشف هشاشة المنظومة

يعتمد العراق على الغاز الإيراني لتشغيل عدد كبير من محطات إنتاج الكهرباء، خصوصا في الوسط والجنوب.

وتشير تقديرات رسمية إلى أن ما يقارب 35 إلى 40 في المئة من الطاقة الكهربائية المنتجة محليا ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بإمدادات الغاز القادمة من إيران.

هذا الاعتماد الكبير جعل أي انقطاع، حتى لو كان مؤقتا، كفيلا بإخراج آلاف الميغاواط من الخدمة خلال ساعات.

ومع إعلان التوقف الأخير، خسرت المنظومة الكهربائية العراقية ما بين أربعة آلاف وأربعة آلاف وخمسمئة ميغاواط، وهو رقم كبير في بلد لا يتجاوز إنتاجه الفعلي في أفضل الأحوال خمسة وعشرين ألف ميغاواط، مقابل حاجة فعلية تفوق الخمسين ألفا لتأمين تجهيز مستقر على مدار الساعة.

هذه الفجوة البنيوية تعني أن العراق يعيش دائما على حافة العجز، وأن أي صدمة خارجية تتحول سريعا إلى أزمة داخلية تمس الحياة اليومية للمواطنين.

حجم اعتماد العراق على الغاز الإيراني في إنتاج الكهرباء

المؤشرالقيمة التقريبية
نسبة الاعتماد على الغاز الإيراني35–40 ٪
القدرة الكهربائية المتأثرة عند التوقف4000–4500 ميغاواط
عدد المحطات المتأثرةأكثر من 10 محطات
ذروة التأثيرالشتاء والصيف
البديل المستخدمالوقود السائل (المازوت والديزل)

الغاز الإيراني والقرار سياسي في العراق

السؤال الأكثر تداولا عقب الإعلان كان حول طبيعة التوقف: هل هو قرار سياسي مقصود أم إجراء تقني مرتبط بالظروف المناخية داخل إيران؟

الرواية الإيرانية الرسمية، التي نقلتها وسائل إعلام قريبة من الحكومة، عزت التوقف إلى “ظروف طارئة” ناتجة عن ارتفاع غير مسبوق في الاستهلاك المحلي للغاز بسبب موجة البرد القاسية.

وتشير إلى أن درجات الحرارة في بعض المناطق الإيرانية هبطت إلى ما دون عشر درجات تحت الصفر، ما رفع الطلب على الغاز لأغراض التدفئة إلى مستويات قياسية.

خبراء الطاقة يؤكدون أن هذا السيناريو ليس جديدا. فإيران، التي تعد من أكبر منتجي الغاز في العالم، تعاني في فترات الذروة الشتوية من اختلال مزمن بين الإنتاج والاستهلاك.

إذ تمنح الأولوية المطلقة للقطاع المنزلي بوصفه أولوية اجتماعية وسياسية، على حساب الصادرات والقطاعات الصناعية، وهو ما ينعكس مباشرة على الدول المستوردة، وفي مقدمتها العراق.

العرف العالمي في عقود الغاز

توضح الخبيرة الإيرانية في شؤون النفط والغاز عرفانه تاجيكي، في تصريح صحفي، أن خفض أو وقف صادرات الغاز خلال فصل الشتاء ليس أمرا استثنائيا ولا خرقاً للعقود، بل بند معروف في معظم الاتفاقيات طويلة الأمد لنقل الغاز عبر الأنابيب.

فهذه العقود تنص صراحة على أولوية تلبية الطلب الداخلي في بلد المنشأ قبل الوفاء بالالتزامات التصديرية.

وتشير تاجيكي إلى أن إيران تنتج في المتوسط نحو سبعمئة مليون متر مكعب من الغاز يوميا، يأتي معظمها من حقل بارس الجنوبي، إلا أن هذه الكميات لا تكون ثابتة على مدار العام.

ففي الشتاء، يتغير توزيع الغاز جذريا، وتقلص الإمدادات الموجهة لمحطات الكهرباء والصناعة وحتى التصدير، لتعويض الطلب المنزلي المرتفع.

هذا النمط، بحسب الخبيرة، معمول به عالميا، ويشمل دولا كبرى مثل روسيا، التي خفضت مرارا صادراتها إلى أوروبا خلال فترات الذروة، ما يجعل التفسير التقني منسجما مع الأعراف الدولية، لكنه لا يلغي الإشكاليات الأخرى المرتبطة بالحالة العراقية.

أزمة الغاز الإيراني في العراق

اتفاق طويل الأمد .. وتوقف كامل للتصدير

ما يثير الجدل في الحالة العراقية الإيرانية هو توقيت التوقف، الذي جاء بعد تمديد عقد تصدير الغاز بين البلدين لخمس سنوات إضافية. فالعقود طويلة الأمد تفترض أن توفر استقرارا نسبيا للإمدادات، أو على الأقل آليات واضحة لإدارة الطوارئ.

عضو غرفة التجارة المشتركة بين إيران والعراق حميد حسيني يرى أن التناقض ظاهري فقط، موضحا أن الاتفاق ينص على تصدير نحو عشرين مليار متر مكعب سنويا، لكن هذه الكمية لا توزع بالتساوي على مدار العام.

ففي الربيع والصيف، ترتفع الصادرات لتعويض التخفيضات الشتوية، وهو ما يجعل التوقف الحالي “مقطعيا” من وجهة النظر الإيرانية، لكنه يظل مؤلما للعراق بسبب هشاشة منظومته الداخلية.

القراءة الهيكلية .. أزمة أعمق من الشتاء

في المقابل، تذهب تحليلات إيرانية أخرى، من بينها ما نشرته صحيفة “جهان صنعت”، إلى أن التوقف يعكس أزمة هيكلية أعمق في ملف الغاز الإيراني.

فالعقوبات الدولية، وتراكم الديون العراقية، وضعف الاستثمارات في تطوير البنية التحتية، كلها عوامل حدّت من قدرة طهران على الالتزام بتصدير مستقر ومستدام.

وترى الصحيفة أن مشروع تصدير الغاز إلى العراق، الذي انطلق قبل أكثر من عقد، لم يحقق العوائد الاستراتيجية المتوقعة، بل كشف مع مرور الوقت عن خلل في إدارة الموارد، حيث يتم تصدير الغاز في وقت تعاني فيه السوق المحلية من نقص حاد خلال الشتاء، ما يضع الحكومة الإيرانية أمام معادلة صعبة بين الداخل والخارج.

بغداد وإدارة الأزمة .. حلول إسعافية مكلفة

في مواجهة التوقف المفاجئ، أعلنت وزارة الكهرباء العراقية اعتماد الوقود البديل المحلي لتشغيل المحطات المتضررة، بالتنسيق مع وزارة النفط.

وأكد المتحدث باسم الوزارة أحمد موسى أن الإنتاج لا يزال “تحت السيطرة”، رغم فقدان آلاف الميغاواط، وأن الوزارة استعدت لذروة الأحمال الشتوية عبر أعمال صيانة وتأهيل مسبقة.

غير أن هذه الحلول، رغم ضرورتها الآنية، تبقى مكلفة فنيا وماليا.

فمحطات الغاز المصممة للعمل بالوقود النظيف تفقد جزءا كبيرا من كفاءتها عند تشغيلها بالوقود السائل، كما ترتفع كلفة الصيانة وتزداد الأعطال، ناهيك عن الأثر البيئي السلبي الناتج عن استخدام المازوت والديزل.

نمط تصدير الغاز الإيراني إلى العراق خلال السنة

الفصلمستوى التصدير
الشتاءمنخفض / متوقف أحيانا
الربيعمتوسط
الصيفمرتفع
الخريفمتراجع تدريجيا

الاعتماد المزمن… حين يصبح الاستيراد قيدا

يرى الخبير النفطي أحمد صدام أن ما جرى نتيجة مباشرة لاعتماد العراق شبه الكامل على الاستيراد في ملف الغاز، في وقت يهدر فيه نحو 45 في المئة من الغاز المصاحب لاستخراج النفط عبر الحرق.

ويؤكد أن العراق غير جاهز بعد للاستغناء عن الغاز الإيراني، رغم امتلاكه احتياطيات كبيرة، بسبب غياب البنية التحتية والاستثمارات الكافية.

من جانبه، يلفت الباحث الاقتصادي علي عواد إلى أن استمرار هذا الاعتماد يمنح إيران هامش ضغط واسع، خصوصا مقارنة بتعاملها مع دول أخرى مثل تركيا، التي لم تتأثر صادرات الغاز إليها بالقدر نفسه، بسبب طبيعة العقود الملزمة وأهمية السوق التركية.

أزمة الغاز الإيراني في العراق

الكهرباء كورقة ضغط إقليمية

تكشف أزمة الغاز الأخيرة أن الكهرباء لم تعد مجرد خدمة عامة، بل تحولت إلى ورقة ضغط سياسية واقتصادية في الإقليم.

فطهران تستخدم الإمدادات أحيانا للضغط من أجل تحصيل مستحقاتها المالية، فيما توظف واشنطن ملف الإعفاءات والعقوبات لدفع بغداد نحو تقليص اعتمادها على إيران.

هذا التشابك يضع العراق في موقع بالغ الحساسية، حيث يجد نفسه مضطرا للموازنة بين حاجته الملحة للطاقة، وضغوط العقوبات، ومتطلبات السيادة الاقتصادية.

البحث عن مخرج

دفعت الأزمات المتكررة بغداد إلى تسريع مشاريع تنويع مصادر الطاقة، من خلال الربط الكهربائي مع دول الخليج والأردن، واستقدام محطات توليد عائمة، إضافة إلى عقود استثمار الغاز المصاحب مع شركات عالمية مثل توتال إنرجي وبي بي، ومشاريع الطاقة الشمسية.

ورغم أن هذه الخطوات لن تنهي الاعتماد على الغاز الإيراني في المدى القصير، فإنها تمثل بداية مسار طويل نحو تحصين الأمن الطاقوي وتقليل الارتهان الخارجي.

ما بعد الأزمة… جرس إنذار جديد

في المحصلة، لا يبدو توقف الغاز الإيراني حدثا استثنائيا بقدر ما هو حلقة جديدة في سلسلة أزمات متكررة تكشف هشاشة النموذج القائم.

فالعراق، الذي يمتلك ثروات غازية هائلة، لا يزال عاجزاً عن تحويلها إلى مصدر سيادي للطاقة، فيما تستمر الكهرباء في لعب دور ورقة الضغط الإقليمية.

وقد تكون أزمة هذا الشتاء، بما حملته من تداعيات اقتصادية واجتماعية، جرس إنذار إضافيا يدفع صناع القرار في بغداد إلى التعامل مع ملف الطاقة بوصفه قضية سيادة وطنية، لا مجرد أزمة موسمية عابرة.

مشاركة عبر:
Facebook
LinkedIn
X
WhatsApp
Telegram

اخبار مختارة

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي