الذهب في العراق .. حكاية أجيال لا تنقطع بين الزينة والضمان

الذهب في العراق

الذهب في العراق

في بلدٍ تتداخل فيه الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية منذ عقود، ظل الذهب بالنسبة للعراقيين أكثر من مجرد سلعة تباع وتشترى.

فهو خط دفاع أخير في وجه التقلبات، وركيزة ثابتة في حياة الناس حين تهتز كل الركائز الأخرى.

من الأزقة القديمة في بغداد إلى واجهات محلات الصياغة اللامعة في أربيل والنجف والبصرة، يبقى الذهب حاضرا بقوة؛ زينةً للنساء، وادخاراً للعائلات، وضمانا للمستقبل، وسردية اجتماعية متوارثة لا تبهت مهما تغيرت الأزمنة.

وبينما يرتفع سعر الدولار أو ينخفض، وتتبدل الحكومات، وتستمر الأزمات الاقتصادية بلا هوادة، يبقى الذهب هو اللغة المشتركة التي يفهمها الجميع؛ لغة تحفظ القيمة حين تفقد الأشياء قيمتها، وتمنح شعورا باليقين في بيئة تتقاطع فيها المخاوف بالتطلعات.

تاريخ الذهب في العراق

يعود تاريخ الذهب في بلاد الرافدين إلى أقدم الحضارات الإنسانية.

فقد عثر في مقابر أور الملكية على قطع ذهبية مذهلة تعود إلى أكثر من 4500 عام، ما يشير إلى المهارة العالية للحرفيين السومريين وقدرتهم على تطويع المعدن النادر في صناعة الحلي والأقنعة والأختام.

ولم يكن الذهب آنذاك مجرد زينة، بل كان رمزا للسلطة والتقديس، يدخل في أدوات الطقوس وفي مقتنيات الملوك والكهنة.

ومع تعاقب الحضارات البابلية والآشورية، استمرت مكانة الذهب في الارتقاء.

وتشير النقوش إلى استخدامه في تزيين المعابد وصياغة القطع الملكية وأواني الاحتفالات.

وحتى بعد دخول الإسلام إلى العراق، حافظ الذهب على أهميته، إذ اعتمد الخلفاء العباسيون على سك الدنانير الذهبية التي كانت أحد أعمدة النشاط التجاري في بغداد، العاصمة الاقتصادية الكبرى آنذاك.

هذا الإرث الطويل كوّن علاقة عاطفية وثقافية متينة بين العراقيين والذهب، علاقة لم تتغير حتى في ظل التقلبات السياسية والاقتصادية التي شهدها البلد خلال القرن الأخير.

الذهب ملاذ اقتصادي

شهد العراق خلال العقود الأربعة الماضية اضطرابات اقتصادية متتالية، من الحروب إلى الحصار ثم الأزمة المالية العالمية وتذبذبات أسعار النفط.

وفي ظل هذه الظروف، تحول الذهب إلى وجهة دائمة للمواطنين كوسيلة للاحتفاظ بالقيمة وتفادي انهيار العملة المحلية.

فعندما يفقد العراقي ثقته في قدرة الدينار على الصمود، يلجأ إلى شراء سبائك أو قطع من المشغولات الذهبية، وهو تقليد متوارث تعتبره العديد من الأسر الضمان الأول لأوقات الشدة.

وتعد النساء في مقدمة من يعتمدن الذهب كرصيد اقتصادي، إذ يمثل بالنسبة لهن “حصالة” محصنة من تقلبات السوق.

وعلى الرغم من ارتفاع أسعار الذهب عالميا، بقي الطلب المحلي قويا، لأن العراقي يرى في الذهب مصدر أمان لا يتأثر بالاضطرابات الداخلية مثلما تتأثر العقارات أو العملات الأجنبية.

وحتى مع توسع ثقافة الادخار عبر البنوك، ما يزال الذهب يحتفظ بمكانته، خصوصا في المناطق الريفية أو المجتمعات التقليدية.

أسواق الذهب في العراق

تمثل أسواق الذهب في بغداد والنجف وكربلاء والموصل والبصرة معالم اقتصادية وثقافية بحد ذاتها.

خان الذهب

فـ”خان الذهب” في بغداد، الواقع بالقرب من شارع الرشيد، يعد واحدا من أشهر الأسواق التقليدية التي ما تزال تحتفظ بروائح الماضي وزحام المتسوقين وروعة المشغولات البغدادية.

وفي النجف وكربلاء، ترتبط حركة البيع والشراء إلى حد كبير بالمواسم الدينية، إذ يرتفع الطلب مع زيارة ملايين الزوار من داخل العراق وخارجه.

أما في الموصل، فرغم الدمار الذي تعرضت له المدينة خلال الحرب على الإرهاب، فقد عاد سوق الذهب تدريجيا إلى الحياة، معوضا جزءا من دوره التاريخي في تنشيط الاقتصاد المحلي.

ويلاحظ في السنوات الأخيرة دخول تصاميم جديدة إلى السوق العراقي، بعضها مستورد من الخليج وتركيا وإيطاليا.

لكن رغم هذا التنوع، يظل العراقي مولعا بالتصاميم التقليدية الثقيلة التي تعكس “الهيبة” وتناسب الطقوس الاجتماعية.

مقارنة بين الذهب العراقي والخليجي والتركي

النوعالدمغةاللونالاستخدام الشائعالمميزاتالعيوب
العراقي21 غالبًاأصفر غامقالزواج والمناسباتمتين وسهل الصياغةيقل نقاؤه عن 24
الخليجي21/22أصفر نقيالذهب الثقيلمرغوب وأسعاره ثابتةأجور صياغة مرتفعة
التركي14/18ذهبي فاتحالإكسسواراترخيص ومتعدد الأشكالليس استثمارا ممتازا

ورش صياغة الذهب في العراق

مهنة صياغة الذهب في العراق إحدى الحرف العريقة التي تنتقل غالبا داخل العائلة.

فالكثير من الصاغة الحاليين هم أبناء وأحفاد لأساتذة عرفوا بدقتهم في تشكيل المعدن وتطعيمه بالحجارة الكريمة.

وعلى الرغم من التطور الكبير في تقنيات التصنيع، ما زالت المهارة اليدوية تفرض حضورها القوي، خصوصا في القطع التي تحتاج إلى حرفة خاصة كالأقراط التقليدية والخواتم ذات النقوش البغدادية.

لكن الحرفة تواجه تحديات عديدة. فتكلفة استيراد المواد الأولية ازدادت، كما أن المنافسة مع المنتجات المستوردة أصبحت شرسة.

ومن ناحية أخرى، يعاني الكثير من الصاغة من ضعف الدعم الحكومي وتذبذب القدرة الشرائية لدى المواطنين.

ومع ذلك، فإن إصرار الحرفيين على الحفاظ على هويتهم الفنية يجعل من الورش الصغيرة مدارس مفتوحة تخرج جيلا جديدا من الصاغة القادرين على الجمع بين التراث والحداثة.

اقرا ايضا: الدينار العراقي .. من التأسيس إلى التحولات الاقتصادية

التنقيب عن الذهب في العراق

على الرغم من التاريخ العريق للعراق مع الذهب، فإن إنتاجه الحالي من المناجم يكاد يكون محدودا مقارنة بالإمكانيات الجيولوجية التي يمتلكها.

فالدراسات تشير إلى وجود مكامن واعدة في مناطق مختلفة مثل إقليم كردستان وغرب العراق، لكن عمليات التنقيب ما تزال في بداياتها بسبب نقص الاستثمار الأجنبي وتحديات البنية التحتية.

وقد أعلنت الحكومات المتعاقبة عن خطط لتطوير قطاع التعدين، إلا أن معظم هذه الخطط لم تنفذ بالشكل المطلوب.

ويعتقد خبراء أن الاستثمار الجاد في هذا القطاع يمكن أن يحقق عوائد اقتصادية كبيرة، خصوصًا مع ارتفاع الطلب العالمي على الذهب وتوجه الدول لتعزيز احتياطاتها من المعادن الثمينة.

وفي حال تم استغلال هذه الثروة بشكل صحيح، يمكن للعراق أن يتحول من بلد يعتمد على استيراد الذهب إلى بلد منتِج، الأمر الذي سينعكس إيجابًا على ميزانه التجاري ويخلق فرصًا جديدة للعمل.

احتياطي الذهب في البنك المركزي العراقي

يمتلك البنك المركزي العراقي احتياطيا معتبرا من الذهب ضمن سياسته لتعزيز الاستقرار النقدي.

ومع تراجع قيمة الدينار في فترات مختلفة، لجأ البنك إلى زيادة احتياطياته من المعدن الأصفر لمواجهة الضغوط الاقتصادية.

وعلى الرغم من أن العراق ليس من الدول العشر الأولى عالميا من حيث حجم احتياطي الذهب، فإن تعزيز هذا الاحتياطي يعد خطوة مهمة في بناء الثقة بالاقتصاد الوطني.

فوجود رصيد كبير من الذهب يساهم في دعم العملة المحلية ويساعد الدولة خلال الأزمات، خصوصا في بلد يعتمد بشكل كبير على النفط الذي يتعرض لتقلبات السعر عالميا.

الفرق بين الغرام والمثقال

الوحدةالوزن بالغرامالاستخدامأيهما أفضل للحساب؟
الغرام1 غرامعالميأدق
المثقال4.25 غرام (غالبًا)يستخدم في العراق وإيرانيحتاج تحويل

الذهب في المناسبات الاجتماعية العراقية

لا يمكن الحديث عن الذهب في العراق دون التطرق إلى دوره الاجتماعي. ففي حفلات الزواج، يبقى “المهر الذهبي” أحد أهم تقاليد الارتباط. ويحرص الكثير من العائلات على تقديم الذهب للعروس كجزء من التكريم والضمان المالي.

كما تعد هدايا الذهب شائعة في الولادات والمناسبات الدينية، حيث تقدم خواتم أو أساور صغيرة للأطفال كنوع من البركة والذكرى.

ويلاحظ أن النساء في العراق غالبًا ما يحتفظن بمجوهراتهن لسنوات طويلة، وربما يورثنها لبناتهن، لتبقى القطعة الذهبية شاهدة على التاريخ العائلي.

تحديات صناعة الذهب في العراق

رغم أهمية هذا القطاع، إلا أنه يواجه عدة تحديات، أبرزها:

  1. الاستيراد غير المنظم: دخول كميات كبيرة من الذهب والمجوهرات المستوردة بأسعار منافسة يضعف قدرة المنتج المحلي.
  2. ارتفاع الضرائب والرسوم: ما يجعل تكلفة التصنيع مرتفعة.
  3. غياب القوانين الحديثة: فالكثير من التشريعات تعود لعقود مضت ولا تواكب تطور السوق.
  4. التزوير وغياب الرقابة الصارمة: إذ تنتشر أحيانًا سبائك أو مجوهرات غير مطابقة للعيار، ما يضعف ثقة المستهلك.
  5. تقلبات سعر الدولار: التي تؤثر مباشرة على أسعار الذهب محليًا.

ورغم هذه التحديات، فإن القطاع يملك فرصة للنمو إذا ما تم تنظيمه بشكل احترافي وتوفير حماية للصناعة الوطنية.

في الختام

الذهب في العراق ليس مجرد سلعة تباع وتشترى، بل هو جزء من الهوية التاريخية والاقتصادية والاجتماعية.

يحمل ذاكرة الحضارات القديمة، ويشكل مظلة أمان للمواطن، ويعبر عن روح الفرح في المناسبات.

ورغم التحديات، فإن القطاع يملك مقومات قوية تجعله قادرا على النهوض مجددا، شريطة وجود رؤية واضحة تدعم الحرفيين وتطور عمليات التنقيب وتصون حقوق المستهلك.

ما هو سعر الذهب في العراق؟

يختلف السعر حسب العيار ويحدد بالدينار العراقي حسب السوق. مثلا اليوم غرام الذهب عيار 24 يباع بحوالي 177,976 دينار.

مثقال الذهب كم غرام عيار 21؟

“مثقال” الذهب المستخدم في العراق غالبا يشير إلى وزن معياري، مثلاً إذا مثقال الذهب عيار 21 يساوي 1 غرام (أو حسب استخدام المحل).

ما هي أفضل أنواع الذهب في العراق؟

يعتبر العيار 21 شائعا جدا في العراق، لأنه مزيج بين النقاء والمتانة، مناسب للمجوهرات اليومية. لكن العيار 24 (الأنقى) مفصل للسبائك أو الادخار.

ما هو الذهب الذي لا يفقد قيمته؟

لا يوجد ذهب “لا يفقد قيمته” بشكل مطلق، لكن العيارات العالية (مثل 24) تحتفظ بقيمة أعلى على المدى الطويل لأنها أقرب إلى الذهب الخالص، وتتأثر أقل بتغير أسعار سبائك vs سبائك.

مشاركة عبر:
Facebook
LinkedIn
X
WhatsApp
Telegram

اخبار مختارة

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي