المخدرات في العراق
مع اقتراب نهاية عام 2025، تتجاوز أزمة المخدرات في العراق كونها مجرد ظاهرة محلية لتصبح تحديا إقليميا ذا أبعاد أمنية واجتماعية وصحية خطيرة.
فقد بات العراق حلقة أساسية في شبكة التهريب الإقليمية، خاصة فيما يتعلق بالحبوب المصنعة مثل الكبتاغون والميثامفيتامين، ما أدى إلى انتشار واسع بين الشباب وضغط متزايد على مراكز التأهيل والعلاج.
على مدار العام، سجلت السلطات العراقية عدة عمليات ضبط نوعية ومصادرات غير مسبوقة، مع توسيع جهود العلاج وإعادة التأهيل، ما يعكس تحولا تدريجيا في الاستراتيجية الوطنية لمواجهة هذه الظاهرة.
أرقام صادمة حتى نهاية 2025
بحسب بيانات وزارة الداخلية العراقية، شهد العام الجاري عمليات ضبط غير مسبوقة للمواد المخدرة.
ففي الأشهر الثلاثة الأولى من 2025، أعلنت المديرية العامة لشؤون المخدرات عن اعتقال 3,006 متهما وضبط 2 طن و166 كغم من المخدرات، أسفرت بعض الاشتباكات عن قتيلين و13 جريحا، ما يعكس خطورة التعامل مع شبكات مسلحة ومنظمة.
وعند مقاربة نهاية العام، تم تسجيل مصادرات إضافية، وصلت إجمالي المصادرات منذ بداية 2025 إلى أكثر من 3 أطنان، ضمن حملات أمنية نوعية شملت موقوفين محليين ودوليين.
بالمقارنة، كان العام 2024 سجل أكبر كمية مخدرات على الإطلاق في العراق، حيث تم ضبط 6 طـن و183 كغم من المخدرات واعتقال 14,483 متهما، فيما أظهرت تقارير دولية أن عام 2023 شهد ضبط 24 مليون قرص كبتاغون (أكثر من 4 أطنان) بقيمة مالية تتراوح بين 84 و144 مليون دولار.
وتكشف إحصاءات حديثة أن الميثامفيتامين (الكريستال) يمثل 37.3% من حالات التعاطي، بينما تشكل حبوب الكبتاغون 34.35%، وبقية المواد 28.35%، ما يؤكد سيطرة المخدرات المصنعة على السوق العراقية وسهولة انتشارها بين الشباب.
نسب التعاطي في العراق بحسب نوع المخدر
| نوع المخدر | نسبة التعاطي (%) |
|---|---|
| الميثامفيتامين | 37.3 |
| الكبتاغون | 34.35 |
| مخدرات أخرى | 28.35 |
كيف تحول العراق إلى بيئة خصبة للمخدرات
ما يجعل العراق اليوم في قلب أزمة مخدرات واسعة ليس صدفة، بل نتاج تداخل طويل الأمد لعوامل سياسية، اقتصادية، جغرافية واجتماعية، هيأت الأرض لتفشي التعاطي والتهريب على نطاق غير مسبوق.
الموقع الجغرافي للعراق
موقع العراق الاستراتيجي، وحدوده المفتوحة مع سوريا و إيران و تركيا، جعله ممرا طبيعيا لشبكات التهريب الإقليمية.
ومع ضعف الرقابة الحدودية سابقا وغياب تنسيق أمني فعال، تمكنت تلك الشبكات من إدخال كميات ضخمة من المواد المخدرة مثل الكبتاغون والميثامفيتامين، وتوزيعها بسهولة عبر محافظات متعددة.
ورغم تشدد الإجراءات الأمنية في 2025، فإن سنوات من التراخي تركت أثرها العميق في السوق الجنائي، ما جعل المخدرات جزءا من واقع يومي في العديد من المدن.
الوضع الاقتصادي
بعد سنوات طويلة من الحرب وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، يجد العراق نفسه أمام أزمة مركبة في 2025، حيث تتقاطع الضغوط الاقتصادية مع تفشي المخدرات، لتشكل تهديدا مباشرا للشباب والمجتمع.
ارتفاع معدلات البطالة، خصوصا بين الشباب، دفع شريحة كبيرة للانخراط في شبكات الترويج والاتجار بالمخدرات، فيما لجأ آخرون إلى التعاطي كمهرب نفسي من واقع حياتي قاسٍ مليء بالفقر والضغط الاجتماعي.
وأكدت وزارة الصحة أن برامج إعادة التأهيل شملت آلاف المدمنين خلال الأشهر الماضية، ما يعكس زيادة الطلب على العلاج، ولكنه في الوقت نفسه دليل على حجم المشكلة وانتشارها المتسارع.
تغير سوق المخدرات
شهدت الأسواق العراقية تحولا واضحا في أنواع المخدرات الأكثر تداولا، حيث أصبحت المواد المصنعة، خصوصا الكبتاغون والميثامفيتامين، أكثر رواجا.
فهي أرخص وأسهل في النقل والإخفاء، وأكثر جاذبية للشباب الباحث عن تأثير سريع، ما أدى إلى انتشارها في المدن الكبرى والمناطق ذات الكثافة الشبابية، وتقليل الحواجز التقليدية أمام شبكات التهريب.
تجمع هذه العوامل هشاشة البنية الاقتصادية، والحدود المفتوحة، وارتفاع البطالة، لتجعل من العراق بيئة خصبة لانتشار هذه الآفة، التي لم تعد مجرد مشكلة صحية أو أمنية، بل أصبحت تهديدا اجتماعيا حقيقيا يتطلب استجابة عاجلة ومتكاملة من الدولة والمجتمع المدني والمؤسسات الدولية.
اقرا ايضا: أزمة الكهرباء في العراق .. الأسباب والتحديات والحلول المقترحة
التداعيات على المجتمع العراقي
مع تصاعد عمليات الضبط والمصادرة خلال عام 2025، أصبح واضحا أن موجة الإدمان في العراق لم تعد محصورة بفئة أو منطقة معينة، بل امتدت إلى قطاعات واسعة من المجتمع، لتطال المدن الكبرى والريف على حد سواء.
مراكز إعادة التأهيل التي دشنتها الدولة استقبلت أعدادا كبيرة من المتعاطين؛ ففي تصريح رسمي، أعلنت وزارة الداخلية أن نحو 5,900 مدمن خضعوا لبرامج التأهيل خلال عامين ونصف، في حين لا يزال آلاف آخرون تحت المتابعة والعلاج.
لكن الأرقام وحدها لا تعكس عمق الأزمة؛ فخلفها قصص إنسانية مؤلمة: أسر تنهار، شباب يضيعون في دوامة التعاطي، وضغوط نفسية حادة تواجه المتعافين.
العديد منهم يجد صعوبة في إعادة الاندماج الاجتماعي والاقتصادي، إذ يفتقر إلى دعم مستدام، وتثقلهم الوصمة المجتمعية، ما يؤدي إلى فقدان الوظائف، أو الطرد من محيطهم الاجتماعي، أو العيش في خوف دائم من الانتكاس.
إضافة إلى ذلك، كشفت تحقيقات أن بعض ملفات المخدرات طالت أشخاصا داخل الأجهزة الأمنية نفسها، من قضائيين وضباط وحتى منتسبين في صفوف مكافحة المخدرات، ما زاد من هشاشة الثقة المجتمعية وأثار تساؤلات حول جدية بعض المؤسسات في مواجهة الأزمة.
هذا التغلغل داخل المؤسسات الرسمية يرسل رسالة قاسية: المخدرات لم تعد قضية «شوارع فقيرة» فقط، بل باتت تتسلل إلى قلب الدولة، ما يجعل مواجهة هذه الآفة أكثر تعقيدا وعمقا، ويضع المجتمع أمام تحدٍ مزدوج بين الانهيار الاقتصادي والتفشي الاجتماعي للمخدرات.
المصادرات السنوية للمخدرات في العراق
| السنة | نوع المخدر | الكمية المضبوطة (كغ / قرص) | عدد المتهمين | ملاحظات |
|---|---|---|---|---|
| 2023 | كبتاغون | 4,000 كغ | 12,500 | أبرز عمليات ضبط |
| 2024 | كبتاغون | 6,183 كغ | 14,483 | زيادة ملحوظة عن 2023 |
| 2025 | كبتاغون | 1,050 كغ | 3,006 | شامل الأشهر الثلاثة الأولى |
| 2025 | ميثامفيتامين | 2,000 كغ | 2,500 | جزء من إجمالي المصادرات |

استجابة الدولة للأزمة
ردًّا على تفاقم الأزمة، أعلنت الدولة في 2025 عن تحول في نهجها: من مجرد ضبط وتوقيف، إلى سياسة مزدوجة تجمع بين القضاء على شبكات التهريب ومكافحة الإدمان عبر العلاج وإعادة التأهيل.
في أحدث إعلان، قالت وزارة الداخلية إنها خلال السنوات الثلاث الأخيرة (حتى نهاية 2025) فككت 1,201 شبكة مخدرات، منها 171 شبكة دولية، وصادرت أكثر من 14 طنا من المخدرات.
كما صدرت آلاف الأحكام القضائية، بينها حكم بالإعدام أو السجن المؤبد ضد تجار كبار.
بالتوازي، توسعت جهود العلاج: 16 مركز تأهيل وزعتها الوزارة على مختلف المحافظات، واستفاد منها آلاف من المدمنين.
أحد التقارير الميدانية يشير إلى أن حوالي 5,900 مدمنا تمكنوا من إعادة التأهيل والاندماج في المجتمع خلال آخر عامين ونصف.
هذه الجهود ساهمت في إبراز العراق بين الدول الرائدة في مكافحة المخدرات، فقد صنفت وزارة الداخلية العراق في 2025 ضمن أعلى الدول فاعلية في الضبط ومكافحة الاتجار بالمخدرات، بحسب مؤسسات دولية وأمنية.
العراق يحصد المرتبة الثالثة عالميا في مكافحة المخدرات
لم يكن التفوق المحلي وحده هو ما يميز تجربة العراق في مكافحة المخدرات، بل امتدت إشادات المجتمع الدولي لتثمين جهوده.
فقد حصلت وزارة الداخلية العراقية على المرتبة الثالثة عالميا في مكافحة المخدرات، وفق تصنيف القمة الشرطية العالمية التي نظمتها شرطة دبي، بمشاركة 138 دولة و205 منظمة حكومية وغير حكومية.
في الختام .. أزمة مستمرة وتحديات مستقبلية
مع نهاية 2025، تظهر أزمة المخدرات في العراق كظاهرة مركبة تتجاوز الأبعاد الأمنية لتطال المجتمع بأسره.
على الرغم من الجهود المتواصلة في الضبط وتفكيك الشبكات الدولية والمحلية، واستحداث مراكز إعادة التأهيل، يظل الانتشار بين الشباب والضغط على البنية الاجتماعية والاقتصادية تحديا قائما.
تؤكد التجربة العراقية أن مواجهة هذه الآفة تتطلب نهجا متعدد المستويات يجمع بين الإجراءات الأمنية، الدعم الاجتماعي، الوقاية، والتثقيف المجتمعي، إضافة إلى متابعة مستمرة للتغيرات في سوق المخدرات.
وفي ظل استمرار هشاشة بعض المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية، يبقى الطريق طويلا، ويستلزم تضافر جهود الدولة والمجتمع المدني لضمان استجابة مستدامة تحمي الشباب والمجتمع من آثار هذه الظاهرة.
تختلف العقوبة بحسب نوع المخدر وكميته وطبيعة الجريمة، فالتعاطي الشخصي قد يؤدي إلى السجن لفترات قصيرة وغرامات مالية مع إلزام المتعاطي ببرامج إعادة التأهيل، أما التهريب أو الترويج فيشمل السجن الطويل وقد يصل إلى الإعدام أو السجن المؤبد، خصوصًا عند ضبط كميات كبيرة أو شبكات دولية منظمة، كما أن التجار الكبار غالبًا ما تصدر بحقهم أحكام صارمة تشمل مصادرة الأموال والممتلكات.
يعود انتشار المخدرات في العراق إلى عدة عوامل مترابطة، أبرزها الموقع الجغرافي الذي يجعل البلاد ممرا لشبكات التهريب الإقليمية، إضافة إلى الوضع الاقتصادي الصعب وارتفاع معدلات البطالة والفقر، ما دفع بعض الشباب للانخراط في شبكات المخدرات أو اللجوء إلى التعاطي كمهرب نفسي.
تشمل أكثر أنواع المخدرات شيوعًا في العراق الكبتاغون المستخدم بشكل واسع بين الشباب للتنشيط والترفيه، والميثامفيتامين أو الكريستال الذي يشكل نسبة كبيرة من حالات التعاطي.