زراعة النخيل في العراق
في العراق، لا تذكر الأرض دون أن تذكر النخلة، فهي أكثر من شجرة باسقة تثمر تمورا لذيذة؛ إنها ذاكرة وطن وملامح هوية تمتد جذورها في عمق التاريخ.
من بين رمال الفرات ودجلة، نمت النخيل وارتفعت شامخة، تقاوم القيظ والعطش والحروب، لتمنح الناس قوتهم ودفء بيوتهم وأملهم في الغد.
كانت النخلة رفيقة العراقي في السراء والضراء، تظلله في صيفه اللاهب، وتطعمه من خيرها في مواسم الجفاف، وترافقه في أفراحه ومواسمه الدينية.
ومن تمرها صُدرت الخيرات إلى كل أصقاع الأرض، حتى صار اسم العراق مرادفا للتمور الطيبة والنخيل الباسقات.
لكن تلك الصورة التي كانت تزين ضفاف البصرة والنجف وكربلاء بدأت تتلاشى مع مرور العقود، بفعل الإهمال وشح المياه وتراجع الدعم الزراعي، حتى أصبحت النخلة اليوم تقف في مواجهة مصير صعب بين البقاء والاندثار.
تاريخ النخيل في العراق
تعد النخلة جزءا من هوية العراق الزراعية منذ فجر التاريخ، حيث تشير المصادر التاريخية إلى أن أقدم بساتين النخيل كانت مزروعة في جنوب العراق منذ أكثر من ستة آلاف عام.
وقد اشتهر العراق عبر العصور بأنه “بلاد النخيل والأنهار”، إذ بلغ عدد نخيله في خمسينيات القرن الماضي أكثر من 33 مليون نخلة، وهو ما جعله في مقدمة دول العالم إنتاجا للتمور.
ولم تكن النخلة مجرد شجرة مثمرة فحسب، بل كانت رمزا للعطاء في حياة الإنسان العراقي، إذ استخدمت كل أجزائها في الحياة اليومية؛ من ثمرها غذاءً، إلى جريدها في البناء وصناعة الأثاث، وحتى ليفها في صنع الحبال والسلال.
ويقول الباحث الزراعي الدكتور حيدر الشمري إن “النخلة لم تكن تزرع لأجل التمر فقط، بل كانت تمثل منظومة اقتصادية متكاملة، تدور حولها حياة الريف في الجنوب العراقي.”
أهم مناطق زراعة النخيل في العراق
تنتشر زراعة النخيل في معظم محافظات العراق، لكنها تتركز بشكل أساسي في المحافظات الجنوبية مثل البصرة وذي قار والمثنى وميسان، حيث تمتاز أراضيها بالملوحة المعتدلة ومناخها الحار المناسب لنمو النخيل.
كما تشتهر كربلاء و النجف والأنبار بأصناف مميزة من التمور ذات الجودة العالية.
أنواع التمور العراقية
من الجنوب إلى الشمال، تنتشر بساتين النخيل في أغلب المحافظات العراقية، لكنها تتركز بشكل خاص في مناطق الجنوب بسبب طبيعة التربة ودرجات الحرارة العالية.
وتعد محافظتا البصرة و النجف من أكثر المناطق إنتاجا، تليهما كربلاء وواسط وذي قار.
ويقدر عدد الأصناف العراقية بأكثر من 600 صنف محلي، من أشهرها:
| الصنف | المنطقة الأكثر انتشارًا | أهم الخصائص |
|---|---|---|
| البرحي | البصرة | حلاوة عالية، يستهلك طازجا، مرغوب عالميا |
| الزهدي | الفرات الأوسط | قوام صلب، مناسب للتصنيع، يتحمل النقل |
| الخستاوي | واسط وميسان | طري الملمس، طيب المذاق، يصدر للأسواق العربية |
| الديري | كربلاء والنجف | تمر داكن اللون، نكهة فريدة، إنتاج غزير |
| الساير | ذي قار والمثنى | مقاوم للملوحة، من الأصناف الاقتصادية المهمة |
هذه الأصناف ليست مجرد منتجات زراعية، بل جزء من التراث المحلي.
ففي كل مدينة عراقية تجد نوعا مميزا من التمور يعبر عن بيئتها وتاريخها.
تراجع أعداد النخيل في العراق
شهد العراق منذ ثمانينيات القرن الماضي تراجعا مقلقا في أعداد النخيل وإنتاج التمور، نتيجة الحروب المتعاقبة، وتجريف البساتين، وملوحة المياه، وغياب الدعم الزراعي.
ويؤكد المزارع البصري جاسم الكعبي أن “الملوحة والتصحر هما العدو الأول للنخيل، فالمياه المالحة قتلت آلاف الأشجار خلال العقدين الأخيرين”.
كما أسهمت التحولات الاقتصادية والهجرة من الريف إلى المدينة في إهمال الأراضي الزراعية، إلى جانب غياب أنظمة الري الحديثة التي تضمن الاستدامة وتقليل الفاقد المائي.
ويشير تقرير وزارة الزراعة لعام 2024 إلى أن العراق خسر نحو 50% من إنتاجه التمري خلال ثلاثة عقود، رغم الجهود المبذولة في السنوات الأخيرة لزيادة المساحات المزروعة وإعادة تأهيل البساتين.

مشاريع النهوض بزراعة النخيل في العراق
أطلقت وزارة الزراعة العراقية خلال السنوات الأخيرة عدة مبادرات لإحياء زراعة النخيل، أبرزها المبادرة الوطنية لإعادة تأهيل بساتين النخيل التي تستهدف زراعة 5 ملايين فسيلة جديدة خلال خمس سنوات.
كما تم إنشاء مراكز بحثية لإنتاج فسائل النخيل النسيجية المقاومة للملوحة والآفات.
وفي محافظة كربلاء، افتتحت الحكومة مشروعا حديثا يضم أكثر من 250 ألف فسيلة نسيجية تزرع في بيئة مخبرية ثم تنقل إلى الحقول، وهو ما يضمن نقاء الأصناف وتحسين الإنتاج.
كذلك بدأت محافظات الجنوب بالتعاون مع القطاع الخاص في إقامة مصانع للتمور ومراكز تعبئة وتغليف تستهدف تصدير المنتج إلى الأسواق العالمية، لا سيما الخليج وأوروبا.
ويقول مدير زراعة البصرة إن “القطاع الخاص يلعب دورا مهما في إعادة الاعتبار للنخلة العراقية من خلال الاستثمار في الصناعات التمرية”.
الصناعات التحويلية ودورها في دعم الاقتصاد
تشكل الصناعات التحويلية المرتبطة بالنخيل عنصرا حاسما في زيادة القيمة المضافة لهذا القطاع.
فالتمور العراقية لا تستهلك محليا فقط، بل تستخدم في إنتاج الدبس (العسل التمري) والخل والمربى والمشروبات الصحية.
كما بدأت شركات ناشئة في العراق بتجارب مبتكرة لتحويل نوى التمر إلى علف حيواني ووقود حيوي.
ويؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور علي حمزة أن “العراق يمكنه تحقيق أرباح سنوية بمئات ملايين الدولارات إذا أحسن استثمار منتجات النخيل الثانوية”، مضيفا أن “الصناعات التحويلية قادرة على خلق فرص عمل وتحريك الاقتصاد الريفي بشكل واسع”.
التقنيات الحديثة والبحوث الزراعية
في السنوات الأخيرة، أدخلت الجامعات والمراكز البحثية العراقية تقنيات حديثة لتحسين زراعة النخيل، مثل الري بالتنقيط الذكي، واستخدام المخصبات العضوية الحيوية، وتقنيات الزراعة النسيجية لإنتاج فسائل خالية من الأمراض.
وتعمل جامعة البصرة ومركز النخيل في جامعة كربلاء على مشاريع بحثية مشتركة لتطوير أصناف أكثر مقاومة للملوحة والجفاف.
ويقول الباحث الزراعي في المركز الدكتور محمد كاظم إن “الجيل الجديد من المزارعين بدأ يتعامل مع النخلة كاستثمار طويل الأمد، مدعوم بالتكنولوجيا والمعرفة العلمية، لا كمصدر تمر فقط.”
البعد الثقافي والديني للنخلة
تحتل النخلة مكانة خاصة في الثقافة العراقية والعربية والإسلامية، فقد ورد ذكرها في القرآن الكريم أكثر من 20 مرة، وارتبطت بسيرة الأنبياء والكرم والعطاء. ويُقال في الموروث الشعبي: “النخلة مثل الأم، تعطي ولا تنتظر المقابل.”
كما خلد الشعراء العراقيون النخلة في قصائدهم، ومن أشهرهم بدر شاكر السياب في قصيدته “أنشودة المطر” حين قال:
“عيناك غابتا نخيلٍ ساعةَ السحر…”
ما يعكس حضور النخلة في وجدان العراقيين بوصفها رمزا للحياة والصبر والكرامة.

تحديات زراعة النخيل في العراق
مع تفاقم ظواهر التصحر وتغير المناخ، تواجه زراعة النخيل في العراق مخاطر متزايدة.
فدرجات الحرارة المرتفعة وشح المياه أسهما في انحسار المساحات الزراعية وتدهور الإنتاج.
كما أن الآفات الزراعية مثل دوباس النخيل وسوسة النخيل الحمراء تشكل تهديدا مستمرا، خصوصا في ظل ضعف المكافحة البيئية المنتظمة.
ويشير المهندس الزراعي أحمد التميمي إلى أن “حل مشكلة النخيل يبدأ من معالجة ملف المياه أولا، ثم بتبني خطط استصلاح حقيقية لا مؤقتة”.
الطريق نحو المستقبل
رغم الصعوبات، تبدو المؤشرات إيجابية نسبيا.
فالعراق عاد في السنوات الأخيرة إلى قائمة الدول العشر الأولى عالميا في إنتاج التمور، وبدأت صادراته تتوسع لتصل إلى أكثر من 600 ألف طن سنويا. ك
ما أن دعم الفلاحين بوسائل الري الحديثة والأسمدة الحيوية يفتح الباب أمام نهضة زراعية جديدة يكون للنخيل دور مركزي فيها.
وتقول المهندسة الزراعية زينب عبد الأمير: “إحياء النخيل ليس مشروعا زراعيا فحسب، بل مشروع وطني يرمز إلى ارتباط الإنسان بأرضه وهويته.”
اقرا أيضا: القطاع المصرفي في العراق .. التحديات والفرص ومستقبل الخدمات المالية
الأسئلة الشائعة
أفضل وقت لزراعة النخيل في العراق يكون عادة في أواخر الشتاء وبداية الربيع (شهر شباط إلى آذار)، قبل ارتفاع درجات الحرارة بشكل كبير.
عدد النخيل في الدونم الواحد يعتمد على نوع النخلة وطريقة الزراعة، ففي الزراعة التقليدية يمكن زراعة حوالي 40 إلى 50 نخلة في الدونم، أما في الزراعة الحديثة والمنظمة يمكن أن يصل العدد إلى 60 أو 70 نخلة، مع المحافظة على مسافات مناسبة بين الأشجار لضمان نمو أفضل وإنتاجية أعلى.
أفضل أنواع النخيل في العراق تعتمد على المناخ وطلب السوق، ومن أبرزها تمر الزهدي المعروف بجودته العالية ومقاومته للأمراض، والتمر البرحي المشهور بمذاقه المميز في الأسواق المحلية والعالمية، والتمر السكري الذي يتميز بحلاوته العالية ويعتبر من الأنواع التجارية المهمة، بالإضافة إلى التمر الصقعي واللولو المناسب للمناطق الجنوبية.
النخيل المزروع من الشتلات عادة يبدأ الإثمار بعد أربع إلى خمس سنوات من الزراعة، أما النخيل المزروع من الطعوم أو الشتلات الجاهزة فقد يبدأ الإثمار بعد ثلاث إلى أربع سنوات، وتصل الإنتاجية إلى ذروتها بعد مرور عشرة إلى خمسة عشر سنة من عمر النخلة.